محمد بن علي الشوكاني

95

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

وكان آية من آيات اللّه في التفسير والتوسّع فيه . وأما أصول الديانة ومعرفة أقوال المخالفين فكان لا يشقّ غباره فيه . هذا مع ما كان عليه من الكرم والشجاعة ، والفراغ عن ملاذّ النفس . ولعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاثمائة مجلّد ، بل أكثر . وكان قوّالا بالحق ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم . ثم قال ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه . ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه ، وقد أوذيت من الفريقين من أصحابه وأضداده . وكان أبيض ، أسود الرأس واللّحية قليل الشيب ، شعره إلى شحمة أذنيه ، كأنّ عينيه لسانان ناطقان ، ربعة من الرجال ، بعيد ما بين المنكبين ، جهوريّ الصوت ، فصيحا سريع القراءة . تعتريه حدّة لكن يقهرها بالحلم قال ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته باللّه وكثرة توجّهه . وأنا لا أعتقد فيه عصمة بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية ؛ فإنه كان مع سعة علمه ، وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين بشرا من البشر ، تعتريه حدّة في البحث وغضب وصدمة للخصوم ، تزرع له عداوة في النفوس . ولولا ذلك لكان كلمة إجماع ، فإن كبارهم خاضعون لعلومه ، معترفون بأنه بحر لا ساحل له ، وكنز ليس له نظير . ولكن ينقمون عليه أخلاقا وأفعالا . وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك . قال وكان محافظا على الصلاة والصوم ، معظّما للشرائع ظاهرا وباطنا ، لا يؤتى من سوء فهم ؛ فإنه له الذكاء المفرط ، ولا من [ 29 ] قلة علم فإنه بحر زاخر ، ولا كان متلاعبا بالدين ولا ينفرد بمسائل بالتشهّي ولا يطلق لسانه بما اتفق ، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أسوة بمن تقدمه من الأئمة . فله أجر على خطئه وأجران على إصابته . انتهى . ومع هذا فقد وقع له مع أهل عصره قلاقل وزلازل . وامتحن مرة بعد أخرى في حياته ، وجرت فتن عديدة . والناس قسمان في شأنه فبعض منهم مقصّر به عن المقدار الذي يستحقّه بل يرميه بالعظائم . وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحدّ ويتعصّب له كما يتعصّب أهل القسم الأول عليه . وهذه قاعدة مطّردة في كل عالم يتبحّر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة ، فإنه لا بد أن يستنكره المقصّرون ، ويقع له معهم محنة بعد محنة . ثم يكون أمره